الشيخ السبحاني

343

رسائل ومقالات

وقد جرت سيرة المسلمين عبر القرون على شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي في المدينة المنوّرة ، والقصص والأخبار في ذلك كثيرة لا يسع المجال لنقل معشارها . وأمّا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه « لا تشدّ الرحال إلّا إلى مساجد ثلاثة : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى » « 1 » فليس له مساس بشدّ الرحال إلى زيارة القبور ، لانّ الاستثناء فيه مفرّغ والمستثنى منه محذوف وهو المسجد ، فالنهي فيه متوجّه إلى شدّ الرحال إلى مسجد غير هذه المساجد الثلاثة ، لا إلى شدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة غير هذه المساجد الثلاثة ، لوضوح جواز شدّ الرحال إلى التجارة ، والسياحة ، وصلة الأرحام ، وتحصيل العلم ، والإصلاح بين الفئتين إلى غير ذلك ، وهذا يُعرب عن أنّ مصب النهي هو المساجد ، جوازاً أو منعاً ، لا مطلق الأماكن . فكأنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تشدّ إلى مسجد من المساجد إلّا إلى ثلاثة . . . . 3 . البناء على القبور المراد من القبور في العنوان هو قبور الأنبياء والشهداء والأئمّة والأولياء الذين لهم مكانة عالية في قلوب المؤمنين ، فهل هو أمر جائز أو لا ؟ وهذه المسألة كالمسألتين السابقتين لا تمتّ إلى العقيدة الإسلامية بصلة حتّى تكون ملاكاً للتوحيد والشرك ، وإنّما هي من المسائل الفقهية التي يدور أمرها بين الإباحة والكراهة والاستحباب وغيرها . ولا يصحّ لمسلم واع أن يتّخذ هذه المسألة ذريعة لتوزيع تُهم الشرك والتكفير والابتداع ، فكم من مسائل فقهية اختلفت فيها كلمة الفقهاء ، ومن

--> ( 1 ) . صحيح مسلم : 4 / 126 ، باب لا تشد الرحال ، كتاب الحجّ .